التراث الشعبي في الدراما السورية - رفعت شميس

رفعت شميس

لعل كلمة تراث جاءت من الإرث أي ما أورثه  الآباء والأجداد من أبنية وقصور وقلاع وحصون وأدوات حرب وصيد وأدوات معيشة ، وما حفلت به المكتبات من مؤلفات في العلم والأدب  وما اختزنته الذاكرة وتناقلته الألسن شفاها من حكم وأمثال وأشعار وحكايا وأساطير، وفنون  متنوعة في الغناء والرقص والدبكات.ويدخل في هذا الإطار العادات والتقاليد في المناسبات الدينية والاجتماعية . وكلمة تراث تقابل الكلمة اللاتينية ( فولكلور ) .  

فإذن يمكن تصنيف التراث الشعبي بنوعين هما المادي ويشمل المحسوسات في الطبيعة واللامادي ويشمل ما تناقلته الألسن شفاها مما ذكرنا آنفا.

وقد لعبت الدراما السورية دورا كبيرا في إحياء التراث الشعبي السورية ليبقى ماثلا في الأذهان . فالتراث هو عصارة الفكر الثقافي والحضاري للأمة .

قد يقول قائل : إن الأعمال الدرامية غالبا ما تأخذ مادتها من الواقع . والواقع حافل بالماديات التراثية بمعنى أن ذكر ما يتعلق بالتراث أمر حتمي في تلك الأعمال .
والواقع إن الأعمال الدرامية من شأنها أن تسلط الضوء على ما أراده الكاتب وكذلك المخرج أن يصل إلى المتلقي وهناك أعمال درامية اهتمت بشكل ملحوظ في تسليط الضوء على التراث الشعبي ليعود إلى الأذهان فنرى في بعض الأعمال الإكثار من استخدام الحكم والأمثال والتركيز على اللباس الشعبي التراثي كالكوفية والعقال والشروال والقبقاب ولعل شخصية الحكواتي جزء هام من التراث الشعبي .
وفي هذا البحث السريع لا بأس أن نستعرض بعض ما رأيناه في الدراما السورية من تراث شعبي .  

  البحرة الدمشقية

يتميز البيت الدمشقي الأثري بما فيه من زخرفات هندسية في الأسقف الخشبية وعلى الجدران ، وفي توزيع غرفه التي يتوسطها فناء رحب تتوسطه بحرة يغدق الماء فيها .

ولا يكاد يخلو بيت من بيوتات دمشق القديمة من البحرة التي كان الهدف منها إضافة إلى جمالها وتزيينها فناء البيت ، أن تكون أشبه بالمكيف الطبيعي إذ يقوم الماء بتنظيف الهواء وتكريره عندما يتدفق  من فوهة النافورة  التي  تعمل على ترطيب الهواء الذي يمر فيها . والبحرة القديمة كانت تعمل نافورتها وفق قانون الأواني المستطرقة ، إلى أن تم استعمال المضخات التي تعمل بالطاقة الكهربائية .

وتتفاوت أبعاد البحرة التي غالبا ما تكون دائرية مضلعة  بين كبيرة وصغيرة أو متوسطة بحسب مساحة فناء البيت .

ساهمت  الدراما السورية المتعلقة بالبيئة الشامية في تعريف المشاهد بالبحرة الدمشقية حيث نجدها في كثير من الأعمال الدراميا السورية التي تضمنت بعض مشاهدها فناء البيت الدمشقي الأثري .

 

العرقسوس الدمشقي

 

تعتبر مهنة إعداد شراب العرقسوس  من المهن القديمة التي توارث سر صنعتها الأبناء عن الآباء والأجداد . إذ  يعود تاريخ العرقسوس الدمشقي إلى أكثر من مئة وخمسين عاما ، وغالبا ما يتصدر قائمة المشروبات الرمضانية ، ويقبل عليه الكثير من الناس لاسيما في فصل الصيف .

أما بائع العرقسوس الفولكلوري فيتميز  بثيابه حيث يضع على رأسه الطربوش ذا اللون الأحمر ،  ويرتدي صدرية مزركشة بألوان زاهية ومطرزة بخيوط مذهبة ،  تحتها قميص أبيض تبدو منه القبة والأكمام .  وشروالا أسود اللون ، ونراه يحمل خلف ظهره ابريقا نحاسيا كبيرا مثبتا بحزام ، له صنبور مفتوح يتدفق الشراب منه مع انحاءة خفيفة من البائع . وعلى خصره صف من الكؤوس وبيده  إبريق فضي أو نحاسي  يحتوي ماءا لغسيل الكؤوس بينما يضع بيده الأخرى صاجتين تصدران صوتا مميزا عند طرقهما ببعض ، إنها موسيقا خاصة يتفنن البائع بإصدارها إعلانا منه عن وجوده في الشارع  ليقبل الناس عليه .

وقد حفلت الكثير من التمثيليات والمسلسلات في الدراما السورية على مشاهد يظهر فيها بائع العرقسوس بشكله الفلكلوري المتميز ، ولا عجب أن يكون شراب العرقسوس وبائعه جزءا من التراث الشعبي الدمشقي .

القباب ..

حفلت أسواق دمشق بكثير من الصناعات اليدوية القديمة و التي انقرض بعضها مع دخول الآلة وانتشار الصناعات الحديثة .

ومن الصناعات اليدوية المهددة بالانقراض القباب . وهو حذاء خشبي بسيور جلدية تطوق مشط  القدم  لطالما لبسه الآباء والأجداد .صغارا وكبارا .. ذكورا وإناثا  ،  وقد تميزت دمشق بصناعة القباقيب  حتى أن هناك سوق لها يسمى سوق القباقبية بمحاذاة الجدار الجنوبي للجامع الأموي ويمتد من الغرب إلى الشرق من سوق القوافين بجوار سوق الصاغة القديم حتى زقاق النوفرة المؤدي إلى حارة القيمرية.. إلا أن محلات صناعته اتجهت إلى مهن أخرى ولم يبق ممن يهتم بهذه المهنة إلى القليل .

وكثيرة هي أنواع الخشب التي صنع القباب من إحداها  مثل خشب الجوز والمشمش والتوت والصفصاف والزان، والغالب من تلك الأنواع  خشب الصفصاف ثم الحور لكثرة هذه الأشجار في دمشق ، ولقد كانت القباقيب ترصع بالمعادن والحجارة الكريمة والصدف، وطرزوا سيورها بخيوطٍ من الفضة والذهب . وتميزت أشكال قباقيب الأطفال بألوانها وزينتها .

و لقد تناولت العديد من الأعمال الدرامية التلفزيونية القبقاب كجزء من البيئة الشامية القديمة كما ارتبطت القباقيب بالأعياد والأمثال الشعبية حيث كانت تشتري قبل الأعياد بأيام قليلة وتدخل الفرحة والسرور على قلوب الأطفال ومن هذه الأمثال "من ليس له قبقاب ليس له عيد" و"ريح مداسك يرتاح راسك".

         نباتات البيت الدمشقي .

مما يلفت الانتباه في البيت الدمشقي القديم  كثرة النباتات وتنوعها ، فالدمشقيون لهم مع النبات في فناء الدار  تاريخ طويل .فاشتهرت دمشق بالوردة الشامية الجورية وبنبات الياسمين  والزنبق والحبق ،  ولا عجب أن أطلقوا مسميات على بعض النباتات بالنظر الى طبيعتها وخصائصها ورائحتها  وأشكال  نموها مثل : السمكة والساعة والسجادة والدالية والشمعة والشب الظريف والعطرة وحلق المحبوب وأحمد بيك والختمية والجميل والدادا والبنفشاية . ، ومن الطريف أن تكون بعض المسميات ذات مدلولات اجتماعية طريفة مثل نبات الضراير  ونبات لسان الحماية .

ولا شك أن تلك النباتات تلطف الأجواء وتبعث الراجة والسكينة في النفوس . وهي تتوزع في البيت الدمشقي في فناء الدار أو ما يسمى أرض الديار على أطراف الجدران وحول البحرة ومنها مايتسلق على أشجار التوت والكباد  والمشمش  أو عرائش الكرمة  كنبات المجنونة ، وأم كلثوم ،  والهوى الخشن ، ونجدها إما في أحوض حجرية منحوتة يدويا أو  في تربة  الأرض أو اصص فخارية أو صفائح معدنية .

وتصنف نباتات البيت الدمشقي إلى عطرية ذات روائح تنعش الأنفاس كنبات عطر الليل والمسكة والريحان والكولونيا . وإلى طبية ذات فوائد صحية كالمليسة والمريمية والختمية ..

ويخصص سكنى البيت الدمشقي القديم جانبا من أوقاتهم للعناية بتلك النباتات إذ يقومون بسقايتها وتهوية التربة وتقليم الأغصان .

وفي الدراما السورية التي تناولت البيئة الشامية الكثير من المشاهد لتلك الأنواع من النباتات الآنفة الذكر .

الشروال

كلمة فارسية تلفظ سروال إلا أن حرفي السين والشين من الحروف المتبادلة وسروال كلمة مركبة من كلمتين الأولى سَرْ وتعني فوق والثانية  وال وتعني القامة .

وقد ارتداه قديما  الفرسان والفلاحون ،  ثم أصبح لباس العامة وانتشر في البيئة السورية ولا سيما  الأرياف  ، وكان قد انتشر في المناطق الجبلية بكثرة اذ يعتبرونه لباسا مريحا لا يعيق الحركة  ويمكن معه  إنجاز الأعمال الزراعية والفلاحة وجني المحصول دون عائق بسبب  بكونه فضفاضا.. إلا أن الاقبال عليه انحسر بشكل كبير وكاد ينقرض لولا أن الدراما السورية التي حفلت الكثير من المشاهد في المسلسلات والتمثيليات برجال يرتدونه ساهمت في الحفاظ عليه إلى حد كبير .إذ ما زال الشروال حاضرا في بعض الاحتفالات الشعبية وعراضات  الأعراس والمهرجانات التراثية وفي حلقات الدبكة إذ أنه يعد جزءا من التراث الشعبي .

ولا عجب أن أصبح الشروال موضة ترتديه بعض النساء في دول أوربية وبألوان متعددة .. إلا أن اللون الأسود واللون البني واللون الكحلي هو السائد في التراث الشعبي الشامي والحلبي وجبل العرب والساحل بل وفي أعلب مناطق سورية، وتميز تصميم الشروال في سورية بضيق الساق بدءا من منطقة الركبة الى أسفل القدم وأحيانا أخرى يمتد فيه الاتساع الى الكاحل وتعقد فيه حلقة تسمى دكة ، ويطرز الشروال بخيوط مقصبة وقد يحتاج صنعه إلى عشرة أمتار من القماش بالنسبة للشخص متوسط القامة .

الحكواتي .

عرفت بلاد الشام شخصية الحكواتي منذ  بداية القرن التاسع عشر . وما  كان يخلو مقهى من مقاهي دمشق قديما من وجود الحكواتي الذي تمتع بشعبية كبيرة  ، وهو شخصية محبوبة تتمتع بالذكاء والمقدرة على الحفظ والتمثيل وتقمص الشخصيات التي يروي عنها ، وغالبا ما يكون المقهى الشعبي هو خشبة مسرح الحكواتي الذي يؤدي أدوار جميع شخوص الرواية مستخدما التلوين الصوتي وعنصري الإثارة والتشويق ، مرتديا زيه الدمشقي الفلوكلوري المستوحى من البيئة الشامية ،  الشروال والطربوش، إضافةً الى القميص المقصب والمطرز .

وكانت مادة قصص الحكواتي مأخوذة من قصص تراثية مثل حكايات الف للة وليلة وزهرة شم البان وقصتها مع الأمير سرحان والزير سالم وعنترة بن شداد العبسي وغير ذلك الكثير مما حفلت به المكتبة العربية ، ولا تخلو شخوص قصص الحكواتي من  القيم والفضائل والخصال الحميدة كنجدة الملهوف واقراء الضيف وحسن المعاملة ، فإذا بالحكواتي يتحول إلى مؤدب وواعظ ويلقي حديثه بأسلوب يجعل المتلقي متفاعلا مع الحدث متحمسا له ، وعندما تكون القصة طويلة لا تكفي جلسة واحدة لروايتها كلها يعرف الحكواتي بحنكته أين يتوقف عن السرد مما يجعل المستمعين له متشوقين لسماعه في اليوم التالي .

وعادة ما يجلس الحكواتي على كرسي مرتفع ليتمكن جميع  رواد المقهى من مشاهدته إذ لا يكفي سماع صوته إذ لا بد من مشاهدته وهو يحمل سيفا بيده اليمنى  وكتابه الذي يقرأ منه  بيده اليسرى ونراه يلوح بالسيف متحمسا عندما يستدعي المشهد المروي  ذلك .

 

المسحر .

المسحراتي – المسحر ، أبو طبلة .. مهنة لثلاثين يوما في السنة تبدأ مع حلول شهر رمضان المبارك .والمسحر شخص تطوع لإيقاظ النائمين في ليال رمضان لتناول طعام السحور .. وفي بعض الأحيان يرافق المسحر صديقا له أو ابنه أو أحد أقاربه ليساعده في حمل الهدايا التي يجود بها من أيقظهم .

 حتى إذا انتهت ليالي رمضان المبارك وجاء العيد يخرج المسحر  نهارا هذه المرة فيقرع طبله مارا بالبيوت التي كان يوقظ أصحابها فيعطونه ما تيسر من مال أو حلوى ويتبادلون معه عبارت التهاني بالعيد .

وهذه المهنة انتشرت في العالم الاسلامي منذ عقود كثيرة ولا تزال حاضرة انما ليس بذلك الزخم الذي كانت فيه قبل اختراع ساعة المنبه ، ومع انها أي مهنة المسحر هي احدى عادات شهر رمضان المبارك فقد بدأت تختفي شيئا أمام  التقدم  التكنولوجي .

وقد عرفت الأحياء والحارات في بلاد الشام  شخصية المسحر بزيه الشعبي الشروال والطربوش وأحيانا يحمل معه فانوسا ،  ولكل حي أو حارة مسحر أو أكثر بحسب المساحة والكثافة السكانية . وعادة ما يخرج المسحر قبل  ساعتين من آذان الفجر  ليطرق طبله وينادي بأعلى صوته بعبارات الفها الناس وحفظوها لتكرارها كل عام  .. ومن أشهر عبارات المسحر : يا نايم وحد الدايم ... رمضان كريم .

إن التراث الشعبي هو جزء من حضارة الأمة بل هو ثقافتها حتى أن كلمة تراث توازي كلمة ثقافة ، ولهذا نجد الكثير من المهتمين الذين عكفوا على دراسة التراث بغية أحياءه  وللدراما السورية فضل في ترسيخ هذا التراث في الذاكرة .

  ||  أرسلت في الأربعاء 20 يناير 2016 بواسطة

صفحة للطباعة


شارك هذا الموضوع على مواقع التواصل الاجتماعي العالمية

Share

صفحة جديدة 1
 

· زيادة حول من التراث
· الأخبار بواسطة shmayess


أكثر مقال قراءة عن من التراث:
الألعاب الأولمبية-نشأة وإبداعاً وانتشاراً من حلب

صفحة جديدة 1
 

المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

صفحة جديدة 1
 


 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

التعليقات لا تمثل بالضرورة رأي الموقع - وإنما تمثل أصحابها فقط .